الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

17

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

فائدة : الأخذ عن الشيوخ على نوعين : أحدهما : أن يسمع من لسان المشايخ ، وهو طريقة المتقدمين . وثانيهما : أن يقرأ في حضرتهم وهم يسمعونها ، وهذا مسلك المتأخرين . واختلف أيهما أولى ، والأظهر أن الطريقة الثانية بالنسبة إلى أهل زماننا أقرب إلى الحفظ . نعم الجمع بينهما أعلى لما ذكر في المصابيح أنه جرت السّنّة بين القراء أن يقرأ الأستاذ ليسمع التلميذ ، ثم يقرأ التلميذ ؛ لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لأبيّ بن كعب رضي اللّه عنه : « إنّ اللّه أمرني أن أقرأ القرآن عليك » والمراد من قراءته صلى اللّه عليه وسلم القرآن على أبيّ تعليمه وإرشاده ، وهو أوّل الصحابة وأشدهم استعدادا لتلقّف القرآن منه صلى اللّه عليه وسلم كتلقفه عليه الصلاة والسلام من أمين الوحي ، فلذلك خصّ بذلك . اه . فتنبه يا أخي وأيقظ همّتك وحرّك عزيمتك ، واستعدّ لفهم ما يلقى إليك ، وقبول ما يملى عليك ؛ فإن الناس في قراءة القرآن بين محسن مأجور ، ومسيء آثم أو معذور ؛ فانظر ممن أنت ؛ فإن كنت ممن هو محسن فاشكر اللّه تعالى ؛ فإنك مأجور ، وإن كنت ممن هو مستغن بنفسه مستبد برأيه وحدسه متّكل على ما ألفه من حفظه ، مستكبر عن الرجوع إلى عالم يوقّفه على تصحيح لفظه ، فلا شك أنك مقصّر مغرور ومسيء آثم غير معذور ، فإن كنت ممن لا يطاوعه اللسان ، أو لا يجد من يهديه إلى الصواب بالبيان : فاعلم أن اللّه تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها ، لكن يجب عليك أن تجتهد جهدك لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا ؛ فإن العمل بالتجويد فرض عين لازم لكل من يقرأ شيئا من القرآن لا سيما في الصلاة ؛ لأن اللّه تعالى أنزله بالتجويد حيث قال : وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [ المزمّل : الآية 4 ] أي جوّده تجويدا ، فإن كان التجويد فرضا فيه ، يكون ما ينافيه وهو اللحن حراما فيه . [ اه . بركوي ] . الفصل الثاني فيما ورد عن الأئمة من مراتب القراءة التي ينبغي للقارئ أن يقرأ بها القرآن المجيد قال في شرح القول المفيد : اعلم أن قراءة القرآن تنقسم إلى أربعة أقسام : تحقيق ، وحدر ، وتدوير ، وترتيل . فأما التحقيق : فهو مصدر من حقّقت الشيء تحقيقا إذا بلغت يقينه ، ومعناه : المبالغة في الإتيان بالشيء على حقيقته من غير زيادة فيه ولا نقص عنه ؛ فهو بلوغ حقيقة الشيء ، والوقوف على كنهه ، والوصول إلى نهاية شأنه ، وهو عند أهل هذا الفن عبارة عن إعطاء الحروف حقّها من إشباع المد ، وتحقيق الهمز ، وإتمام الحركات ، وتوفية